شمس المغرب - سيرة لأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه
شمس المغرب - سيرة لأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه

البداية
الجزء الأوّل
الجزء الثاني
الجزء الثالث
اتصل بنا
مرحبًا بكم في شمس المغرب ( يرجى الدخول أو التسجيل)
المقدمات
الفصول
المحتويات

6.5.9 - النسخة الأولى من الفتوحات المكية (دمشق، شهر صفر 629/1231)

لقد ذكرنا في الفصل الرابع أن الشيخ الأكبر رضي الله عنه بدأ تأليف كتاب الفتوحات المكية في مكة المكرّمة شرّفها الله في أوّل زيارة يزورها في سنة 598، وكان يكتب فيها كلّما سنحت له الفرصة خلال أسفاره الكثيرة رغم أنه لم يتوقف عن التدريس وتأليف الكتب الأخرى كلما دعت إليها المناسبة. ولكن عندما استقر الشيخ محي الدين في دمشق سنحت له الفرصة أن يتابع كتابة الفتوحات بشكل أسرع، فما انتهى من الطبعة الأولى منها إلا في هذه السنة، ثم أعاد كتابته مرة أخرى في الفترة بين سنة 632/1234 إلى 636/1238 حيث أضاف وحذف وعدّل على هذه النسخة الأولى.

هناك عشرات المخطوطات لهذا الكتاب في مكتبات العالم وأهمها مخطوطة قونية التي بخط الشيخ محي الدين نفسه، وهي النسخة الثانية للكتاب التي فرغ منها سنة 636/1238، وقد قسمها المؤلف إلى سبعة وثلاثين سفراً، وهي محفوظة حالياً بمكتبة الأوقاف الإسلامية باستانبول.[875] وتوجد أيضاً مخطوطات أخرى عن النسخة الأولى ومنها نسخة محفوظة بمكتبة بايزيد بتركيا.[876]وقد ذكر عثمان يحيى رحمه الله هذه المخطوطات وغيرها في كتابه عن تاريخ مؤلفات ابن العربي وتصنيفها الذي ذكرناه مراراً.

لقد تم طبع كتاب الفتوحات المكية عدة مرات كان أولها طبعة بولاق بمصر سنة 1274/1857، ثم أعيد طبعه سنة 1293/1876 بتصحيح الشيخ محمد قطة العدوى، ثم قامت دار الكتب العربية الكبرى بمصر (مصطفى الحلبي وأخويه) بطباعته سنة 1329/1911 على نفقة الحاج فدا محمد الكشميري وشركاه بمكة، وتم فيها تدارك ما وقع في طبعتي بولاق من أخطاء، وذكر الشيخ محمد الزهري الغمراوي رئيس لجنة التصحيح بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى أنه فات طبعتي بولاق الوقوفُ على نسخة المؤلف، وأنه من العناية الإلهية أن سيقت لهم نسخة تمت مقابلتها على نسخة قونية التي بخط المؤلف، قابلها جماعة من العلماء بأمر الأمير عبد القادر الجزائرى رحمه الله تعالى.

ثم بعد ذلك صدرت حديثاً طبعات جديدة وكلها تعتمد على طبعة دار الكتب العربية، ولكن الدكتور عثمان يحيى رحمه الله حاول تحقيق هذا الكتاب الكبير ووصل فيه إلى السفر الرابع عشر بحسب تقسيم مخطوطة قونية وتوفى دون أن يكمله.

قسم الشيخ محي الدين كتاب الفتوحات المكية إلى خمسمائة وستين بابا تتراوح في حجمها من صفحة واحدة أو أقل من صفحة إلى ما يزيد من مئة صفحة وبعضها عدة مئات من الصفحات. وقد قسمت هذه الأبواب إلى ستة فصول كما يلي:

1. الفصل الأول في المعارف (الأبواب من 1 – 73)

2. الفصل الثاني في المعاملات (الأبواب 74 – 188)

3. الفصل الثالث في الأحوال (الأبواب 189 – 269)

4. الفصل الرابع في المنازل (الأبواب 270 – 383)

5. الفصل الخامس في المنازلات (الأبواب 384 – 461)

6. الفصل السادس في المقامات (الأبواب 462 – 560)

وقد جمع الشيخ محي الدين في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة أسرار الفتوحات كلها وذكرها بشكل مختصر، ثم ختم هذا الكتاب البديع بالباب الستين وخمسمائة وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الوصايا التي تهذب الأخلاق وترفع الهمم وهي ذات فائدة عظيمة لعامة الناس فضلاً عن المريدين وذلك لأن الشيخ رضي الله عنه تجنّب أن يذكر فيها أي شيء عن العلوم والمعارف المعقدة التي ذكرها في داخل الكتاب. ولذلك فقد طبع هذا الباب منفرداً وتوجد منه عشرات الطبعات.

وقد قال الشيخ رضي الله عنه في الباب الثامن والأربعين إن ترتيب أبواب الفتوحات لم يكن عن اختياره ولا عن نظر فكري وإنما الحق تعالى يملي له على لسان ملك الإلهام جميع ما يسطره وأنه قد يذكر كلاماً بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده؛ وذلك شبيهٌ بقوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: [b]((حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [238]))[/b]بين آيات طلاق ونكاح وعدة ووفاة، وذلك لمناسبة خفيّة لا يدركها إلا أهل الكشف.[877]ولقد ذكرنا في الفصل الرابع أن الشيخ محي الدين ذكر أنّ شيخه صاحب الصدقات الشيخ أبي العباس السبتي كان من الرجال القلائل الذين يعلمون المناسبة في ترتيب آيات القرآن الكريم (وليس فقط سوره)، وهذا علم عزيز.

ثم قال رضي الله عنه في الباب السادس والستين وثلاثمائة أن جميع ما يتكلم فيه في مجالسه وتصانيفه إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه فإنه أعطي مفاتيح الفهم فيه والإمداد منه وهذا كله حتى لا يخرج عنه فإنه أرفع ما يمنح ولا يعرف قدره إلا من ذاقه.[878]

بعد وفاة الشيخ محي الدين رحمه الله قام العديد من محبيه بشرح هذا الكتاب الكبير أو اختصاره وكذلك محاولة ترجمته إلى لغات مختلفة. فقد اختصرها الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة 973/1565 في كتاب سماه "لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية"، ثم لخص ذلك التلخيص ثانية في كتاب سماه "الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر" من غير أن يخرج عن ترتيب الشيخ محي الدين على خمسمائة وستين باباً، وكذلك في كتاب "اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر".

وهناك شروح أخرى كثيرة على بعض أبوب الفتوحات عمل عليها الكثير من العلماء أمثال عبد القادر الجيلي (توفي 820/1417)، أحمد بن سليمان الخالدي (توفي 986/1578)، عبد الله البسنوي (توفي 1054/1644)، والشيخ عبد الغني النابلسي (توفي 1143/1730). وكذلك توجد ترجمات لأجزاء منها باللغة التركية والفارسية والفرنسية والإنكليزية.

ولكن بعض العلماء الذين لم يستطيعوا فهم هذا الكتاب العظيم استنكروه وكفّروا كاتبه كما سنرى في الفصل السابع؛ فكان الشيخ برهان الدين البقاعي مثلا يسمي هذا الكتاب "القبوحات الهلكية".