شمس المغرب - سيرة لأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه
شمس المغرب - سيرة لأكبر محي الدين ابن العربي ومذهبه

البداية
الجزء الأوّل
الجزء الثاني
الجزء الثالث
اتصل بنا
مرحبًا بكم في شمس المغرب ( يرجى الدخول أو التسجيل)
المقدمات
الفصول
المحتويات

3.1.8 - في مدينة تلمسان (590/1193)

تِلِمْسَان أو تْلَمْسَانْ، في اللهجة الجزائرية الدارجة، وبعضهم يقول أيضاً تِنمسَان، هي مدينة قديمة في الجبال غرب الجزائر قريبا من حدود المغرب، وكانت عاصمة الدولة في القرون الوسطى، وهي الآن عاصمة الولاية التي تحمل أيضاً نفس الاسم. ولقد رأينا في الفصل السابق أن أحد أخوال الشيخ الأكبر، وهو يحيى ين يغان، كان ملكا لهذه المدينة قبل أن يزهد في الدنيا ويخرج عن ملكه بعد كلام جارح تلقاه من الشيخ الزاهد عبد الله التونسي.

يقول ياقوت الحموي أن البعض قد زعم أن تلمسان هي البلد الذي أقام به الخِضر عليه السلام الجدار المذكور في القرآن في سورة الكهف. ولكننا ذكرنا أعلاه أن هذا الكلام يُقال أيضاً عن الجزيرة الخضراء التي تقع على مجمع البحرين (مضيق جبل طارق). ولكن يبدو أن قصة الخضر وموسى قد حدثت فعلا في المغرب العربي بين تونس والأندلس، ولذلك لا نستغرب أن يلتقي الشيخ الأكبر بالخضر في تونس وفي المغرب وفي الأندلس أكثر من مرة. كما سنروي بعد قليل.

وكانت مدينة تلمسان مركزا للمصنوعات اليدوية بالإضافة إلى كونها مركزا ثقافيا ودينيا تُدرَّس بها التعاليم الإسلامية في المدارس الدينية.

لا ندري إن كان الشيخ رضي الله عنه قد مرّ بتلمسان أثناء ذهابه إلى تونس أو أثناء عودته منها، ولكن حتما كان بها في سنة 590/1193. ويقول الشيخ الأكبر أنه رأى في تلمسان بعض الصنّاع الماهرين الذين كانوا يصنعون نوعا من السهام تعود إلى راميها تلقائيا بعد أن يرميها، فأخذ من ذلك عبرة مهمة وهي أن الأعمال ترجع في النهاية إلى من عملها:

وقد عاينت هذا النبال بمدينة تلمسان من عالم بصنعة الرمي وإنشاء القسيّ والنبال؛ فرأيته يرمي بالسهم فإذا انتهى السهم إلى مرماه عاد إلى الرامي وحده. فكان ذلك لي عبرة في كون الأعمال ترجع إلى عامليها.[304]

وفي الفترة التي مرّ بها الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه في تلمسان، كانت هذه المدينة والساحل الشمالي عموما تحت حكم يعقوب المنصور سلطان الموحدين في الأندلس، وكان والي تلمسان وتونس المعيّن من قبل الموحدين هو أبو زيد بن أبي حفص (581/1185-595/1199) ثم أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن(595/1199-604/1208)، وكانت المنطقة تعيش في أمن وسلام نسبي. ولكن ما لبثت أن قامت الثورات والانقلابات في هذه المنطقة حيث زحف بنو غانية على تلمسان (605/1209) ثم سيطر عليها الحفصيون وانفصلوا عن الموحدين في الأندلس.

بقي الشيخ محي الدين لبعض الوقت في تلمسان حيث زار قبور بعض الأولياء في منطقة خارج المدينة تُسمى "العبّاد" حيث يوجد هناك قبر خاله يحيى بن يغان وأبي عبد الله التونسي،[305]وهناك أيضاً سوف دفن الشيخ أبو مدين الذي توفي قبل ذلك بقليل كما ذكرنا أعلاه.

وفي تلمسان أيضاً التقى الشيخ الأكبر بالشاعر أبي يزيد عبد الرحمن الفازازي (توفي 627/1230)، وقد أنشده من شعره بيتا يستشهد به الشيخ محي الدين في الفتوحات المكية أثناء حديثه عن أنواع النجاسات حيث يقول إن كل متردّد بين هواءين لا ‏بدّ من هلاكه، كما قال الفازازي:[306]

هوىً صحيحٌ ‏وهواءٌ عليلْ|صلاحُ حالي بهما مستحيلْ